٢٥‏/٠٩‏/٢٠٢٦، ٣:٥٥ م

هل خسرت أميركا حرب إيران؟ رواية الفشل من منظور مراكز الفكر في واشنطن

هل خسرت أميركا حرب إيران؟ رواية الفشل من منظور مراكز الفكر في واشنطن

قد يكون من السابق لأوانه الإعلان الرسمي عن نهاية الحرب وتحديد المنتصر والخاسر، لكن هناك بيانات كافية لدراسة أي طرف اقترب من أهدافه الأولية وأي طرف ابتعد عنها. ومن هذا المنظور، تظهر إحدى أهم العلامات ليس في طهران، بل في واشنطن؛ حيث لم يعد الحديث عن النصر يتسم بالثقة.

وكالة مهر للأنباء، قسم الشؤون الدولية: أحدث نموذج على ذلك مقال نشره روئيل مارك غيرشت، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والضابط السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بعنوان "هل خسرنا حرب إيران؟". ولا تكمن أهمية هذا المقال في عنوانه فقط، بل في أن الكاتب يجمع، للإجابة عن هذا السؤال، مجموعة من مشكلات أميركا وإخفاقاتها في ميدان الحرب؛ من العجز عن فرض نتيجة سياسية على إيران، إلى صعوبة إدارة مضيق هرمز، إلى القلق من القدرات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية.

دخلت أميركا هذه الحرب بأهداف كبيرة جداً. ففي البداية، لم تكن الحملة العسكرية الأميركية والإسرائيلية تهدف فقط إلى تقييد القدرات العسكرية الإيرانية؛ بل كان الهدف الأولي، بحسب هذا المحلل نفسه، تغيير البنية السياسية لإيران أو على الأقل إجبار طهران على قبول شروط واشنطن. لكن بعد حملة جوية استمرت 39 يوماً، تغيرت رواية أهداف الحرب، وتحولت العمليات العسكرية من محاولة تحقيق الأهداف القصوى إلى هجمات أكثر محدودية وضغط لجر إيران إلى طاولة المفاوضات.

وهذا التغيير في الهدف هو أحد أهم مؤشرات فشل استراتيجية ما. فعندما تبدأ الحرب بهدف تغيير سلوك دولة أو تغيير بنيتها السياسية، ثم تنحدر تلك الحرب نفسها إلى محاولة للتوصل إلى وقف إطلاق النار وإعادة فتح ممر مائي، فهذا يعني أن فجوة جدية قد نشأت بين الأهداف الأولية والنتائج المتحققة.

والمثال الواضح على ذلك هو مضيق هرمز. يكتب غيرشت صراحة أن إيران كانت حتى الآن صاحبة اليد العليا في التنافس على هرمز؛ رغم أن البيت الأبيض يرفض هذا التقييم ولا يزال يدعي أن أميركا تسيطر على الممر المائي. لكن حتى رواية هذا المحلل الأميركي تظهر أن واشنطن تواجه مسألة لا تستطيع حلها بسهولة بالتفوق الجوي والبحر. ويعتقد أن الدخول في معركة شاملة لإعادة فتح هرمز قد يؤدي إلى فقدان سفن حربية أميركية، بل وإلى الحاجة لاستخدام قوات برية.

وهذه نقطة بالغة الأهمية. فأميركا هي أكبر قوة عسكرية في العالم، لكنها في هذه الحرب واجهت مسألة لا يكفي لحلها مجرد امتلاك الطائرات وحاملات الطائرات والصواريخ بعيدة المدى. فإذا كان فتح ممر مائي استراتيجي يتطلب قبول تكاليف عسكرية باهظة، فإن التفوق التكنولوجي وحده لم يعد يعني القدرة على فرض الإرادة السياسية.

والمشكلة الثانية هي القدرة الصاروخية والمسيّرة الإيرانية. يكتب محلل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات صراحة أن واشنطن أدركت خلال الحرب عمق واستدامة قدرة إنتاج إيران واحتياطياتها الصاروخية والمسيّرة. وهذا الأمر نفسه، إلى جانب القلق بشأن قدرة الدفاع الجوي الإيرانية وخطر تعرض الطائرات الأميركية للتهديد، أدى إلى زيادة الحذر في البيت الأبيض.

ويبرز هذا الجزء من المقال حقيقة مهمة: المسألة ليست فقط مقدار القوة النارية التي تمتلكها أميركا؛ بل المسألة هي ما إذا كانت تستطيع، باستخدام هذه القوة، الوصول بقدرة الطرف المقابل إلى نقطة لم يعد قادراً فيها على مواصلة الحرب أم لا. وإذا كان الجواب سلبياً، فإن مزيداً من القصف لا يعني بالضرورة مزيداً من النصر.

ومن هنا تحولت أميركا نحو الحرب الاقتصادية. وتأمل واشنطن الآن أن يتمكن الحصار والعقوبات الواسعة من تحقيق ما لم تحققه العمليات العسكرية: إجبار إيران على الاستسلام أو خلق انهيار سياسي من الداخل. لكن هذا التحول نفسه هو في الواقع اعتراف ضمني بمحدودية الخيار العسكري. فلو كانت القوة العسكرية الأميركية قادرة على تحقيق الأهداف السياسية للحرب، لما كانت هناك حاجة أساساً لربط مصير الحرب بعقوبات طويلة الأمد وضغط اقتصادي.

وحتى هذه الاستراتيجية تواجه مشكلة من وجهة نظر هذا المحلل الأميركي نفسه. فهو يقر بأن إيران تمتلك واحدة من أكثر شبكات التهرب من العقوبات تجربة في العالم، وأنها قادرة على الحفاظ على موارد لمواصلة إنتاج الصواريخ والمسيّرات. وبعبارة أخرى، قد تتمكن أميركا من الضغط على اقتصاد إيران، لكن لا يوجد ضمان أن يؤدي هذا الضغط إلى استسلام سياسي.

هنا يتضح التناقض الرئيسي في استراتيجية واشنطن. فأميركا تحتاج، لتحقيق النصر، إلى ضغط اقتصادي شديد بما يكفي لإجبار البنية السياسية الإيرانية على التراجع؛ لكن إذا وصل هذا الضغط إلى نقطة الخنق، فإن احتمال ردّ إيران العسكري الأشد على البنى التحتية للطاقة في الدول العربية يزداد، من وجهة نظر هذا المحلل نفسه. وفي مثل هذه الظروف، سيتعين على أميركا مرة أخرى أن تدخل الميدان للدفاع عن حلفائها، وأن تواصل نفس الحرب التي حاولت الابتعاد عنها.

وبالتالي، تواجه واشنطن حلقة مفرغة: فالهجوم العسكري لم يتمكن من إجبار إيران على الاستسلام؛ واستمرار الهجوم العسكري يخلق تكاليف أكبر؛ والضغط الاقتصادي لتعويض الخيار العسكري يحتاج إلى وقت طويل؛ والضغط الاقتصادي الشديد قد يدفع إيران إلى ردّ عسكري أكبر.

وحتى مسألة "الاحتجاجات الداخلية" ليست، في هذا التحليل، طريق نجاة مؤكداً لأميركا. فيوضح غيرشت أنه لانهيار البنية السياسية الإيرانية، يجب إما أن تحدث شقوق في القوات المسلحة، أو أن تكون هناك احتجاجات شاملة واسعة إلى حد لا يمكن السيطرة عليها. لكنه يؤكد بنفسه أنه لا يعلم هل سيحدث ذلك أم لا، وأنه إذا كان الضغط الاقتصادي سيخلق مثل هذه النتيجة، فقد يستغرق ذلك أشهراً أو حتى سنوات.

وهذا يعني أن أميركا، بعد أشهر من الحرب، لا تزال بحاجة إلى سيناريو محتمل في المستقبل لتحقيق النصر؛ لا إلى منجز مؤكد في الميدان.

وربما تكون هذه أهم علامة على وضع الحرب الحالي. فأميركا لا تزال تمتلك قوة عسكرية هائلة، وإيران أيضاً دفعت تكاليف باهظة؛ لذلك فالنقاش ليس حول ما إذا كانت إيران قد عبرت الحرب دون تكلفة أو أن أميركا تفتقر إلى القدرة على الضرب. النقاش هو حول ما إذا كانت أميركا قد تمكنت من تحويل قوتها العسكرية إلى نتيجة سياسية أم لا.

فإذا كان الهدف الأولي للحرب هو إجبار إيران على الاستسلام، وتقييد قدراتها الصاروخية والنووية بشكل مستدام، وتغيير سلوك طهران، وتأمين مسارات الطاقة بالكامل، فإن ما يظهر في تحليل باحث قريب من البنية الأمنية الأميركية يشير إلى فجوة كبيرة بين هذه الأهداف والوضع الراهن. ومن هذا المنظور، يكتسب عنوان مقال مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات أهمية أكبر: "هل خسرنا حرب إيران؟"

هذا السؤال لم يُطرح من قبل منتقدي أميركا، بل طُرح من داخل أحد مراكز الفكر القريبة من السياسة الخارجية والأمن القومي الأميركي. والأهم أن الكاتب، لإثبات إمكانية انتصار واشنطن، يصل في النهاية إلى استمرار الحصار الاقتصادي لأشهر أو حتى سنوات، وإلى الأمل بانهيار داخلي في إيران.

وعندما يحتاج أقوى جيش في العالم، بعد أشهر من الحرب، إلى مثل هذا السيناريو غير المضمون لتحقيق أهدافه السياسية، فإن المسألة ليست مجرد استمرار الحرب؛ بل إن الاستراتيجية الأولية لأميركا لفرض النتيجة على إيران قد فشلت، وأن واشنطن تبحث الآن عن مسار آخر لتعويض هذا الفشل.

قد لا تكون الحرب قد انتهت بعد، لكن حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: لقد دخلت أميركا الحرب لتجبر إيران على الاستسلام؛ لكن اليوم، حتى المحللون الأميركيون لا يمتلكون إجابة واضحة عن كيفية الوصول بإيران إلى هذه النقطة.

/انتهى/

رمز الخبر 1974129

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha